أحمد بن أعثم الكوفي

299

الفتوح

عبيد الله بن الحر يتوعدني بالقتال إن هو أفلت من يدي ، والله لأطيلن حبسه ولأزيدن في حديده ، ولأذيقنه طعم الذل والهوان . ثم أمر مصعب فزيد في حديده ، وأمر فضيق عليه في السجن أشد الضيق . فلما بلغ ابن الحر ما هو فيه من ثقل الحديد وضيق الحبس كتب إلي بني عمه يشكو إليهم ويقول أبياتا مطلعها : [ و ] من مبلغ الفتيان أن ابن عمهم * أتى دونهم باب منيع وحاجبه ( 1 ) إلى آخرها قال : فلما وصلت هذه القصيدة إلى بني عمه كأنهم تحركوا لذلك ، وقال بعضهم لبعض : لا والله ما هذا بحسن أن يكون أخونا وابن عمنا محبوسا يقاسي ثقل الحديد وضيق السجن ونحن آمنون . قال : ثم وثب رجل منهم يقال له عطية بن عمر الجعفي ( 2 ) فقال : يا هؤلاء ! قوموا بنا إلى هذا الأمير حتى نكلمه في صاحبنا ، فإن هو شفعنا فيه وإلا ثرنا عليه فقاتلناه ، فما هو أعز علينا ولا أعظم في عيوننا من المختار بن [ أبي ] عبيد الذي قتلناه في ساعة من النهار قال : وبلغ ذلك مصعب بن الزبير ، فسكت عن القوم كأنه لم يعلم بشيء من ذلك ، فلما كان الليل بعث إلى عطية بن عمر ( 3 ) الجعفي فأتي به في منزله ، ثم أمر به مصعب فبطح بين يديه فضربه ثلاثمائة قضيب ، ثم أمر به فقد وحمل إلى السجن ، فحبس مع عبيد الله بن الحر . قال : وأصبحت قبائل الأزد ومذحج بالكوفة وقد بلغهم ذلك ، فكأنهم هموا بالمصعب ثم إنهم كفوا يومهم ذلك . قال : ونظر عبيد الله بن الحر إلى عطية بن عمر وجزعه من ذلك الضرب والحبس ، فقال : لا تجزع يا عطية ! فإن الدهر يومان : يوم نعيم ويوم بؤس ، والله يا عطية لأخرجن أنا وأنت من هذا السجن ، ولأنغصن على مصعب بن الزبير عيشه ، ولأدعون أهل السواد والناحيتين إلى المشمرخ ( 4 ) ولأحتوين على الفرات إلى هيت وعانات ، ولآخذن خراج الشوش وما يليها من الرساتيق والقرى ، ولأكرمن من جاءني

--> ( 1 ) البيت من عدة أبيات في ابن الأثير 3 / 27 والطبري 6 / 131 وروايته فيه : من مبلغ الفتيان أن أخاهم * أتى دونه باب شديد وحاجبه ( 2 ) في الطبري 6 / 136 عطية بن عمرو البكري ، وكان قد حبس مع عبيد الله ثم أطلقه مصعب . ( 3 ) في الطبري : عمرو . ( 4 ) كذا ، ولم نجده .